19 أبريل 2026
حوار / نهال عبدالله
في بلد مزقته الحرب، حيث غابت الدولة وأصبح المواطن اليمني يظن أن عدوه الوحيد هي النزاعات المسلحة، وغياب المؤسسات، غير مدرك أن هناك عدواً خفي يفتك به ويحرمه يوماً بعد يوم من الموارد ويهدد حياته ، ويزيد العنف ضد الفئات المستضعفة. نتحدث اليوم عن التغيرات المناخية.
وفي هذا السياق يسر موقع ” المرأة والبيئة ” ان يستضيف الشاب ” أنس معروف عقبه ” أحد شباب مدينة عدن الذين يعملون في ظل التحديات لإحداث التغير الإيجابي في قضايا البيئة .
. كيف بدأت رحلتك في العمل البيئي؟
بدأت رحلتي في العمل البيئي من سواحل وشواطئ عدن، هناك حيث كان البحر بالنسبة لي مساحة للهدوء، لكنه كشف لي في الوقت نفسه عن واقعٍ مؤلم. كنت أرى بأم عيني الملوثات المنتشرة على طول الساحل، من مخلفات بلاستيكية إلى تصريف عشوائي للنفايات، إضافة إلى ممارسات خاطئة مثل رمي القمامة في البحر أو على الشاطئ دون إدراك لحجم الضرر.
في تلك اللحظات، لم يكن المشهد مجرد تلوث بصري، بل كان مؤشرًا على مشكلة أعمق تتعلق بضعف الوعي البيئي وغياب الإدارة المستدامة للنفايات. بدأت أطرح على نفسي أسئلة: كيف يمكن لمدينة ساحلية بهذا الجمال أن تعاني بهذا الشكل؟ وكيف يمكن أن يتحول هذا الواقع؟
من هنا بدأت الخطوة الأولى… تحوّل الفضول إلى التزام، والملاحظة إلى فعل. انخرطت في المبادرات الشبابية، وبدأت أشارك في حملات تنظيف وتوعية، ثم توسع دوري ليشمل تصميم وتنفيذ برامج بيئية تستهدف الشباب والمجتمع المحلي.
ومع الوقت، أدركت أن القضية أكبر من مجرد تلوث شواطئ، بل هي جزء من تحدٍ أوسع مرتبط بالتغيرات المناخية، وتأثيرها على المدن الساحلية مثل عدن، من ارتفاع مستوى سطح البحر إلى تزايد الفيضانات وتدهور النظم البيئية البحرية.
هذا الإدراك قادني للمساهمة في مشاريع أكثر تنظيمًا، مثل العمل على أجندة المناخ للشباب اليمني، وإطلاق مبادرات مثل هاكاثون الابتكار الأخضر الجامعي، حيث سعينا إلى تحويل وعي الشباب إلى حلول عملية.
اليوم، عندما أنظر إلى تلك البداية على شاطئ عدن، أراها نقطة تحوّل حقيقية في حياتي. فقد كانت الشرارة التي دفعتني لأن أكون جزءًا من جيل لا يكتفي بملاحظة التحديات البيئية، بل يعمل على مواجهتها وصناعة التغيير.
. ما تأثير المخلفات التي تُرمى في الشواطئ على الكائنات البحرية؟
تشير التقديرات إلى أن أكثر من 8 ملايين طن من البلاستيك تدخل المحيطات سنويًا. حوالي 90% من الطيور البحرية ابتلعت قطعًا بلاستيكية، كما أن أكثر من 700 نوع بحري تتأثر بالمخلفات، سواء بالابتلاع أو التشابك. وفي بعض المناطق، تصل نسبة الأسماك التي تحتوي على جزيئات بلاستيكية دقيقة إلى 30–50%، ما يعني أن التأثير لم يعد بيئيًا فقط، بل غذائيًا وصحيًا على الإنسان أيضًا.
كان هناك أفكار لمشاريع للتصريف الآمن للمخلفات البلاستيكية وصنع منتجات مستدامة صديقة للبيئة، مثل مشروعي “Lego Brick” كبديل للبردين، لكنه لم يرَ النور بسبب عدم التفات الجهات ذات الصلة.
. ما أبرز مشاركاتك في المجال البيئي، داخليًا وخارجيًا؟
بعد تلك البداية من شواطئ عدن، توسّع عملي ليأخذ طابعًا أكثر تنظيمًا وتأثيرًا داخليًا، قدت مشروع أجندة المناخ للشباب اليمني بنسختيه، والذي جمع أصوات الشباب وحدد أولوياتهم في قضايا المناخ، كما عملت على إطلاق هاكاثون الابتكار الأخضر الجامعي لدعم الحلول البيئية الريادية. إضافة إلى ذلك، ساهمت من خلال منصة “صحصح” في تدريب وتمكين عشرات الشباب في مجالات التكيف المناخي والاستدامة.
خارجيًا، كان من أبرز محطاتي تمثيل الشباب اليمني في مؤتمر الأطراف COP29، حيث نقلت صوت الشباب اليمني إلى المنصات الدولية، وشاركت في نقاشات حول الاقتصاد الأزرق والاستدامة وربطها بواقع الدول الهشة مثل اليمن.
. إذا تحدثنا عن محافظة عدن، فما أبرز المشكلات البيئية؟
عدن تمثل نموذجًا واضحًا لتأثير التغيرات المناخية وسوء الإدارة البيئية معًا. من أبرز التحديات:
– الفيضانات المتكررة التي تضرب المدينة وتؤثر على آلاف السكان.
– تملح المياه الجوفية بسبب تداخل مياه البحر.
– ارتفاع مستوى سطح البحر.
– ضعف إدارة النفايات.
وهذه التحديات لا تهدد البيئة فقط، بل تمس حياة الناس اليومية بشكل مباشر.
. متى بدأت التغيرات المناخية في اليمن؟ وما المخاطر الحالية؟
من خلال تجربتي ومتابعتي، التغيرات المناخية في اليمن أصبحت أكثر وضوحًا خلال العقود الثلاثة الأخيرة. اليوم، أكثر من 50% من السكان معرضون لمخاطر مناخية مباشرة مثل الجفاف والفيضانات.
اليمن يعاني من واحدة من أسوأ أزمات المياه في العالم، حيث لا يتجاوز نصيب الفرد حوالي 80 مترًا مكعبًا سنويًا، وهو رقم بعيد جدًا عن خط الأمان العالمي. كما أن أكثر من 90% من الزراعة تعتمد على الأمطار، مما يجعلها شديدة التأثر بأي تغير مناخي .
هل عدن مستعدة لمواجهة التغيرات المناخية؟
بحسب مؤشرات الجاهزية المناخية، تُصنّف اليمن ضمن الدول ذات الجاهزية المنخفضة جدًا لمواجهة التغيرات المناخية. كما أن أكثر من 60% من السكان معرضون لمخاطر مناخية مثل الفيضانات وارتفاع الحرارة.
عدن تحديدًا تواجه مخاطر مركبة: ارتفاع البحر، تملح المياه، وتهالك البنية التحتية.
. تملح المياه الجوفية في عدن: هل هو في كل المناطق؟ وهل توجد إحصائيات؟
تملح المياه يتركز بشكل أكبر في المناطق الساحلية والمنخفضة. في عدن، تشير بعض التقديرات إلى أن نسبة الملوحة في بعض الآبار تجاوزت 1,500–3,000 جزء في المليون (ppm)، بينما الحد المقبول للشرب هو حوالي 500 ppm. كما أن ارتفاع مستوى سطح البحر عالميًا بنحو 3.3 ملم سنويًا يزيد من خطر تداخل مياه البحر مع المياه الجوفية، خاصة مع الضخ الجائر.
.هل تؤثر هذه التغيرات على النساء أكثر من الرجال؟ ولماذا؟
نعم، وبشكل واضح. النساء في اليمن يتحملن العبء الأكبر نتيجة التغيرات المناخية، لأنهن غالبًا المسؤولات عن توفير المياه والغذاء داخل الأسرة.
في بعض المناطق، تمشي النساء لساعات طويلة يوميًا لجلب المياه، ومع تزايد الجفاف، تزداد هذه المعاناة. كما أن النساء يشكلن نسبة كبيرة من القوى العاملة في الزراعة، ما يجعلهن أكثر عرضة لخسائر المناخ.
. إلى أي حد تساهم التغيرات المناخية في زيادة عدم المساواة بين الجنسين؟
التغيرات المناخية لا تؤثر على الجميع بنفس الشكل، بل تضاعف الفجوات القائمة. في اليمن، نرى أن:
– نسبة كبيرة من النازحين هم من النساء والأطفال.
– عدد الأسر التي تعيلها نساء ارتفع بشكل ملحوظ بسبب الحرب والنزوح.
– تقل فرص النساء في الوصول للموارد والفرص الاقتصادية.
بالتالي، التغير المناخي يعمّق عدم المساواة بدلًا من أن يكون مجرد أزمة بيئية.
. ماذا عن القات واستهلاكه الكبير من المياه ؟
تشير الدراسات إلى أن القات يستهلك ما بين 30% إلى 40% من المياه الجوفية في اليمن، وفي بعض المناطق الزراعية قد تصل النسبة إلى 60%. كما أن زراعته تغطي حوالي 10–15% من الأراضي الزراعية لكنها تستهلك حصة غير متوازنة من المياه، في بلد يُعد من أكثر الدول فقرًا مائيًا، حيث يقل نصيب الفرد عن 100 متر مكعب سنويًا (أقل بكثير من خط الفقر المائي العالمي البالغ 500 متر مكعب).
. أيهما أشد وطأة على اليمن: التغيرات المناخية أم الحرب؟
من الصعب الفصل بين الاثنين، لأنهما مترابطان بشكل كبير. الحرب دمّرت البنية التحتية وأضعفت قدرة الدولة والمجتمع على التكيف، بينما التغير المناخي زاد من الضغط على الموارد.
برأيي، الخطر الحقيقي هو تداخل الأزمتين، حيث تضاعف كل واحدة منهما أثر الأخرى.
. كيف أضرت الحرب بالوضع البيئي في اليمن؟
الحرب كان لها أثر كبير على البيئة، منها:
– تدمير شبكات المياه والصرف الصحي.
– زيادة التلوث.
– تراجع الأراضي الزراعية بشكل كبير.
– ضعف إدارة الموارد الطبيعية.
كما أنها أعاقت أي جهود حقيقية للاستجابة للتغيرات المناخية.
. كيف تؤثر التغيرات المناخية على قطاعي الاقتصاد والصحة؟
اقتصاديًا، التغيرات المناخية تؤدي إلى:
– انخفاض الإنتاج الزراعي.
– ارتفاع أسعار الغذاء.
– فقدان مصادر الدخل، خاصة في الريف.
صحيًا:
– زيادة الأمراض المرتبطة بالمياه مثل الكوليرا.
– ارتفاع معدلات سوء التغذية، خاصة بين الأطفال.
– تأثيرات مباشرة من موجات الحر.
. ما المخاطر المحدقة بالمناطق الساحلية؟
المناطق الساحلية في اليمن، مثل عدن، تواجه مخاطر كبيرة:
– ارتفاع مستوى سطح البحر.
– تآكل السواحل.
– تملح المياه.
– تهديد سبل العيش مثل الصيد.
وهذه المخاطر مرشحة للتفاقم في السنوات القادمة.
. ارتفاع درجات الحرارة في عدن وعلاقته بالتغيرات المناخية وتأثيره الصحي؟
سجلت درجات الحرارة في عدن خلال السنوات الأخيرة ارتفاعًا ملحوظًا، حيث تتجاوز أحيانًا 40–45 درجة مئوية في الصيف. عالميًا، ارتفعت درجة حرارة الأرض بنحو 1.1 درجة مئوية منذ العصر الصناعي. هذا الارتفاع أدى إلى زيادة حالات الإجهاد الحراري، حيث تشير تقديرات منظمة الصحة العالمية إلى أن موجات الحر قد تتسبب بآلاف الوفيات سنويًا، خاصة في المناطق ذات البنية الصحية الهشة.
. ماذا عن القوانين البيئية: المشكلة في القوانين أم في التطبيق؟
رغم وجود تشريعات بيئية، إلا أن تقارير دولية تشير إلى أن أكثر من 70% من القوانين البيئية في الدول الهشة تعاني من ضعف في التنفيذ. في اليمن، التحديات تشمل نقص التمويل، وضعف الرقابة، وغياب العقوبات الرادعة، ما يجعل الأثر الفعلي لهذه القوانين محدودًا.
. لماذا لا نرى حملات مناصرة بيئية كافية في عدن؟
تشير التقديرات إلى أن أقل من 10% من المبادرات المجتمعية في اليمن تركز على البيئة بشكل مباشر. كما أن التمويل المخصص للعمل البيئي محدود جدًا مقارنة بالقطاعات الإنسانية الأخرى. ومع ذلك، هناك نمو ملحوظ في المبادرات الشبابية خلال السنوات الأخيرة، خصوصًا بعد 2020، وهو مؤشر إيجابي يمكن البناء عليه.
. هل لدى المجتمع اليمني وعي بالمشكلات البيئية؟
من خلال تجربتي، الوعي موجود لكنه لا يزال محدودًا. أقدّر أنه يتراوح بين 30% إلى 40%، وهو أعلى نسبيًا بين الشباب.
لكن ما نحتاجه هو:
– إدماج قضايا المناخ في التعليم.
– دعم الإعلام البيئي.
– تمكين الشباب ليكونوا قادة للتغيير.
. ما الحلول المقترحة للحد من التدهور البيئي؟
من واقع تجربتي، الحلول يجب أن تكون عملية ومناسبة للسياق اليمني:
1. التوسع في مشاريع حصاد مياه الأمطار.
2. دعم الزراعة الذكية مناخيًا.
3. الاستثمار في الطاقة الشمسية.
4. تمكين النساء اقتصاديًا وبيئيًا.
5. دعم الابتكار الشبابي في الحلول البيئية.
6. تعزيز الاقتصاد الأزرق في المناطق الساحلية.




