المخلفات الإلكترونية في اليمن تحديات تهدد الصحة والبيئة

حوار  / سحر الهادي – رئيس التحرير

24 أبريل 2026

في عصر التطور الصناعي والتكنولوجي، وزيادة أنماط الاستهلاك وقصر العمر التشغيلي للأجهزة ونقص عمليات إعادة التدوير، زادت “النفايات الإلكترونية”، مما خلق أضرارًا على الإنسان والبيئة.

حوار لـموقع ” المرأة والبيئة” مع المهندسة سبأ باوزير، أخصائية في إدارة المخلفات الإلكترونية في ديوان الهيئة العامة لحماية البيئة – عدن، وباحثة مهتمة بقضايا الاقتصاد الدائري والإدارة المستدامة للنفايات وتغير المناخ، والحاصلة على درجة الماجستير في الإدارة الهندسية (تخصص إدارة المخلفات الإلكترونية).

 

دائما ما نسمع عن مصطلح المخلفات الالكترونية فما هي المخلفات الإلكترونية؟

هي جميع الأجهزة الكهربائية والإلكترونية التي انتهى عمرها الافتراضي أو لم تعد صالحة للاستخدام، بما في ذلك مكوناتها وملحقاتها مثل الهواتف والحواسيب والأجهزة المنزلية وغيرها. ووفقًا لـ اتفاقية بازل، تُصنّف هذه النفايات ضمن النفايات الخطرة نظرًا لاحتوائها على مواد سامة مثل: الرصاص والزئبق والكادميوم.

 

بسبب قصر العمر التشغيلي للأجهزة، وزيادة أنماط الاستهلاك. كيف زاد ذلك من حجم المخلفات الالكترونية؟

تُعد المخلفات الإلكترونية من أسرع تدفقات النفايات نموًا على مستوى العالم نتيجة التقدم التكنولوجي المتسارع، فقد بلغ حجم هذه المخلفات عالميًا نحو 62 مليون طن في عام 2022، مع توقعات بارتفاعه إلى 82 مليون طن بحلول عام 2030

 

هل لديك معرفة بنسبة إعادة التدوير للمخلفات الالكترونية عالميا؟

على مستوى العالم يتم إعادة تدوير سوى22.3% منها بشكل رسمي فقط وفق تقريرGlobal E-waste Monitor 2024 (ITU, 2024).

 

يقال ان الأجهزة الالكترونية تحتوي على معادن ثمينة مثل الذهب والفضة وان عدم وجود اليات اعادة تدوير صحيحة تشكل خسارة اقتصادية نتيجة لذلك؟

صحيح تحتوي هذه النفايات على معادن ثمينة قابلة للاسترداد تُقدّر قيمتها بأكثر من62.5 مليار دولار سنويًا حول العالم ، إلا أن جزءًا كبيرًا منها يُفقد بسبب الإدارة غير السليمة، كما ان العمال يقومون في الأسواق بتفكيك الأجهزة الإلكترونية يدويًا لاستخلاص المعادن مثل النحاس والذهب، غالبًا باستخدام أدوات بدائية، مما يعرضهم مباشرةً لمواد سامة مثل الرصاص والزئبق.

لو تذكرين لنا أهم الاتفاقيات الدولية التي وقعت عليها اليمن بشأن المخلفات الإلكترونية؟

لا توجد اتفاقية دولية مستقلة مخصصة حصريًا للمخلفات الإلكترونية، إلا أنها تُنظَّم ضمن إطار الاتفاقيات الدولية الخاصة بالنفايات الخطرة والمواد الكيميائية. وفي هذا السياق، تُعد اليمن طرفًا في عدد من الاتفاقيات البيئية، من أبرزها:

اتفاقية بازل: تهدف إلى التحكم في نقل هذه النفايات عبر الحدود والتأكد من التخلص منها بطرق سليمة بيئيًا. وتشمل المخلفات الإلكترونية ضمن نطاقها نظرًا لاحتوائها على مكونات خطرة.

تعديل الحظر: يُعد تعديلًا مكملًا لاتفاقية بازل، ويهدف إلى حظر تصدير النفايات الخطرة، بما في ذلك المخلفات الإلكترونية، من الدول المتقدمة إلى الدول النامية. وقد دخل حيز النفاذ في عام 2019، ويُعتبر أداة مهمة للحد من نقل الأعباء البيئية إلى الدول ذات القدرات المحدودة في الإدارة الآمنة للنفايات.

اتفاقية ستوكهولم:تركز هذه الاتفاقية على التخلص من الملوثات العضوية الثابتة (POPs)، وهي مواد كيميائية سامة قد توجد في بعض مكونات الأجهزة الإلكترونية (مثل مثبطات اللهب).

اتفاقية روتردام: تنظم هذه الاتفاقية التجارة الدولية في المواد الكيميائية الخطرة من خلال آلية الموافقة المسبقة عن علم وترتبط بالمخلفات الإلكترونية من حيث احتوائها على مواد كيميائية خطرة تدخل ضمن نطاق الاتفاقية.

 

هل اليمن التزمت بتطبيق الاتفاقيات الدولية بشأن المخلفات الإلكترونية؟

على الرغم من انضمام اليمن إلى عدد من الاتفاقيات الدولية ذات الصلة بإدارة النفايات الخطرة، وعلى رأسها اتفاقية بازل، إلا أن مستوى التطبيق الفعلي لهذه الالتزامات لا يزال محدودًا.

 

ما سبب محدودية التطبيق للاتفاقيات الدولية؟

يعود ذلك إلى مجموعة من التحديات الهيكلية والمؤسسية التي تعيق تفعيل هذه الاتفاقيات على أرض الواقع.

– ومن اهم الأسباب:

– نتيجة غياب إطار تشريعي وطني متخصص بالمخلفات الإلكترونية، حيث لا تزال تُدار ضمن إطار عام للنفايات الصلبة أو الخطرة دون وجود لوائح تفصيلية تنظم جمعها ومعالجتها.

– ضعف البنية التحتية الفنية والمؤسسية، بما في ذلك غياب أنظمة رسمية فعّالة لجمع وفرز وإعادة تدوير هذه النفايات تحت إشراف الجهات المختصة.

– محدودية الرقابة على استيراد الأجهزة الإلكترونية المستعملة تحديًا رئيسيًا، ما يؤدي إلى تدفق أجهزة منخفضة الجودة أو قريبة من نهاية عمرها الافتراضي إلى السوق المحلي، وبالتالي زيادة حجم المخلفات الإلكترونية.

– استمرار الصراع وعدم الاستقرار المؤسسي أسهما بشكل كبير في إضعاف قدرات الجهات المعنية.

 

كيفية التعامل الحالي مع المخلفات الإلكترونية في الدول المتطورة؟

تعتمد الدول المتقدمة على أنظمة متكاملة لإدارة المخلفات الإلكترونية بهدف تقليل الأثر البيئي وتعظيم الاستفادة الاقتصادية من هذه النفايات. وتستند هذه الأنظمة إلى عدة مكونات رئيسية:

ـ تطبيق مبدأ المسؤولية الممتدة للمنتج (Extended Producer Responsibility – EPR)

تُلزم سياسات المسؤولية الممتدة للمنتج (EPR) الشركات المصنعة بتحمل مسؤولية منتجاتها بعد انتهاء عمرها الافتراضي، بما يشمل جمعها وإعادة تدويرها بشكل آمن وتقليل المخاطر البيئية.

ـ إنشاء أنظمة جمع رسمية ومراكز تسليم مخصصة (Drop-off Centers):

مما يسهل عملية الفرز وإعادة التدوير، ويحد من التخلص العشوائي أو الحرق المفتوح الذي يشكل تهديدًا للبيئة والصحة العامة.

ـ استخدام تقنيات إعادة تدوير متقدمة:

تعتمد الدول المتقدمة على تقنيات متطورة لاستخلاص المعادن الثمينة من المخلفات الإلكترونية، مثل الذهب والفضة والنحاس، باستخدام عمليات كيميائية وفيزيائية آمنة بيئيًا. وهذا يجعله مورد اقتصادي بدلًا من كونه عبئًا بيئيًا.

ـ تشريعات صارمة للحد من التخلص غير الآمن:

تفرض القوانين قيودًا صارمة على دفن أو حرق المخلفات الإلكترونية، مع فرض غرامات وعقوبات على المخالفين.

ـ التتبع الرقمي وإحصاءات دائمة:

لمتابعة حركة النفايات إلكترونيًا، بما في ذلك عدد الوحدات المسترجعة، أنواع الأجهزة، وكميات المواد المستخرجة.

 

– حدِّثينا عن آلية التعامل مع المخلفات في الدول النامية ومنها بلادنا؟

تشمل آليات الإدارة الأكثر شيوعًا ما يلي:

ـ القطاع غير الرسمي والتفكيك اليدوي:

يقوم العمال في الأسواق غير الرسمية بتفكيك الأجهزة الإلكترونية يدويًا لاستخلاص المعادن مثل النحاس والذهب، غالبًا باستخدام أدوات بدائية، مما يعرضهم مباشرةً لمواد سامة مثل الرصاص والزئبق.

ـ الحرق أو المعالجة البدائية:

تُحرق بعض الأجهزة أو تُعالج بطريقة ميكانيكية بسيطة لاستخراج المواد القيمة، ما يؤدي إلى انبعاث غازات سامة وجسيمات دقيقة تلوث الهواء والتربة والمياه، وتشكل مخاطر صحية على المجتمعات المحلية.

ـ التخلص مع النفايات الصلبة البلدية:

يتم غالبًا رمي المخلفات الإلكترونية مع النفايات المنزلية العادية، ما يزيد من صعوبة إعادة التدوير ويؤدي إلى تلوث بيئي واسع النطاق.

ـ غياب البنية التحتية ومراكز التدوير المتخصصة:

قلة المرافق الرسمية المتخصصة في جمع وإعادة تدوير المخلفات الإلكترونية تعزز من استمرار الممارسات غير الآمنة، وتحد من إمكانية الاستفادة الاقتصادية من المواد القابلة للاسترداد.

وفي بلادنا تتحول المخلفات الإلكترونية من فرصة اقتصادية محتملة إلى عبء بيئي متزايد، خاصة مع غياب أنظمة جمع وإعادة تدوير رسمية، واستمرار الممارسات غير الآمنة في تفكيكها وحرقها. ويعزز الصراع المستمر ضعف القدرات المؤسسية، ما يزيد من حجم المخاطر البيئية والصحية على المجتمع والبيئة.

 

ـ إذا كانت المخلفات الالكترونية تدار بهذه الالية فماهي أضرار المحتملة؟

تحتوي المخلفات الإلكترونية على مجموعة من المواد الكيميائية السامة، مثل الرصاص والزئبق والكادميوم، بالإضافة إلى مثبطات اللهب والمواد العضوية الثابتة، مما يجعلها تشكل تهديدًا بيئيًا وصحيًا كبيرًا إذا لم تُجمع وتُعالَج بطريقة سليمة. وتشمل أضرارها الرئيسة ما يلي:

ـ تلوث التربة والمياه، حيث تؤدي عملية التخلص غير الآمن أو الرمي العشوائي للمخلفات الإلكترونية إلى تسرب المعادن الثقيلة إلى التربة والمياه الجوفية، ما يضر بالنظم البيئية ويؤثر على الزراعة ومصادر المياه العذبة.

ـ تلوث الهواء، بسبب الحرق المفتوح للمخلفات الإلكترونية يسبب إيضاً إطلاق غازات سامة وجسيمات دقيقة، بما في ذلك الديوكسينات والفورانات، التي تلوث الهواء وتشكل مخاطر مباشرة على صحة الإنسان.

ـ أضرار صحية جسيمة، وتشمل المخاطر الصحية الناتجة عن التعرض للمعادن الثقيلة أو حرق هذه المخلفات:

تلف الجهاز العصبي وتأثيرات على القدرات المعرفية

مشاكل في النمو لدى الأطفال

أمراض الجهاز التنفسي مثل الربو والتهابات الرئة

زيادة احتمالات الإصابة بالسرطان نتيجة التعرض المزمن للمواد السامة.

 

ـ نحن في بلد تعاني من الحرب منذ أكثر من عشر سنوات برأيك هل أضر الصراع القائم باليمن بالبيئة وساهم في تفشي الكثير من المشكلات؟

الصراع المستمر في اليمن، سواء على مستوى النزاعات المسلحة أو الصراعات المؤسسية داخل الجهات الحكومية، كان له آثار بيئية سلبية ملموسة. يؤدي هذا الصراع إلى إضعاف القدرات المؤسسية والرقابية، مما يفاقم المخاطر البيئية ويعطل جهود حماية الموارد الطبيعية وإدارة المخلفات.

ومن أبرز التأثيرات البيئية للصراع في اليمن:

ـ تدهور أنظمة إدارة النفايات فغالبا تؤثر النزاعات على استمرارية الخدمات الأساسية، بما في ذلك جمع وفرز المخلفات الصلبة والإلكترونية، ما يؤدي إلى تراكمها في المدن والأحياء السكنية.

ـ ضعف الرقابة والقدرات المؤسسية وذلك نتيجة الصراع الداخلي بين المرافق والهيئات الحكومية يقلل من فعالية التشريعات البيئية

ـ تراكم المخلفات الخطرة بما فيها الإلكترونية ويؤدي إهمال إدارة هذه المخلفات إلى فقدان الفرص الاقتصادية لإعادة تدوير المعادن الثمينة، وزيادة المخاطر الصحية والبيئية على المجتمعات المحلية.

 

في بلد كاليمن ما هي الحلول التي يمكن أن يقوم بها كل أفراد المجتمع اتجاه قضايا البيئة عموما في ظل هذه التحديات التي نعيشها اليوم؟

على المستوى الفردي، يمكن لكل شخص المساهمة بشكل فعال في حماية البيئة والحد من المخاطر المرتبطة بالمخلفات الإلكترونية، من خلال اتباع ممارسات مستدامة تشمل:

ـ تقليل استهلاك الأجهزة الإلكترونية غير الضرورية

ـ إعادة الاستخدام والتبرع بالأجهزة القابلة للاستعمال بدلاً من التخلص من الأجهزة القديمة،

ـ تسليم الأجهزة التالفة لمراكز جمع موثوقة

ـ عدم رمي الأجهزة مع النفايات المنزلية تمنع هذه الممارسة انتشار المواد السامة في التربة والمياه والهواء.

ـ نشر الوعي البيئي داخل المجتمع بين الاسرة والجيران والأصدقاء حول أهمية إدارة النفايات الإلكترونية والمخاطر المرتبطة بها تشجع على ممارسات أفضل وتبني سلوكيات مستدامة.

 

إذا وجهتي حديثك للجهات المعنية ما هو المطلوب منها لحماية البيئة في اليمن من مخاطر المخلفات الإلكترونية؟

–  أهم الخطوات المطلوبة من الجهات المعنية :

ـ  إعداد تشريعات وطنية متخصصة للنفايات الإلكترونية:

وضع قوانين واضحة تتناول جمع وفرز وإعادة تدوير المخلفات الإلكترونية، مستفيدين من التجارب والدروس المستفادة من دول مشابهة في المنطقة (مثل مصر والأردن)

ـ  إنشاء نظام وطني لجمع وفرز النفايات الإلكترونية

–  تطبيق مبدأ المسؤولية الممتدة للمنتج (EPR): إلزام الشركات المنتجة والمستوردة بتحمل مسؤولية استرجاع منتجاتها بعد انتهاء عمرها الافتراضي، مما يعزز إعادة التدوير وتقليل الأثر البيئي.

– دعم إنشاء مصانع إعادة تدوير آمنة وتقنيات معالجة متقدمة: تنظيم استيراد الأجهزة المستعملة وضع ضوابط صارمة لضمان دخول الأجهزة المستعملة الجيدة فقط، ومنع دخول المخلفات الخطرة غير القابلة للاستخدام.

–  دمج القطاع غير الرسمي في المنظومة الرسمية: تدريب العمال في القطاع غير الرسمي وإدماجهم في برامج رسمية لإعادة التدوير

–  تعزيز التوعية البيئية والتدريب: نشر الوعي بين المواطنين حول مخاطر المخلفات الإلكترونية وأهمية إعادة التدوير.

 

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار