قراءة في مسار القضية الجنوبية وحلولها

بقلم الاستاذ / محمد قاسم نعمان

26 مايو 2026

دعونا نتعامل بصراحه ووضوح إذا كنا بالفعل نريد حل القضية الجنوبية في اليمن .

ففي عام 1990 تم توحيد اليمن بشطريها الشمالي والجنوبي والذي كان يتمثل في جمهوريه اليمن الديمقراطية الشعبية والجمهورية العربية اليمنية، لم يفرض علينا احد الاتفاق على هذه الوحدة، لأنها كانت بالنسبة للجنوبيين تجسيد وطني لمسار حرب التحرير والاستقلال وتوحيد الجنوب والذي تمثل في ميلاد جمهورية اليمن الجنوبية والتي تحولت بعدها إلى جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية.

 

وتم التوقيع على اتفاقية الوحدة بين قيادتي النظامين حينها (الشمال ممثلًا للجمهورية العربية اليمنية والجنوب ممثلًا لجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، لكن مسار تثبيت الوحدة وأهدافها المتفق عليها واجهت صعوبات كثيرة لأن طرف الجمهورية العربية اليمنية لم يلتزم بها حيث كان قد تم الاتفاق عليه بعناوينها البارزة بالأخذ ما هو أفضل من بين تجربتي النظامين، إضافة إلى أبرز الأهداف متمثلة باحترام الديمقراطية كوسيلة للسلطة والنظام والحكم، والعمل على التنمية وتطوير دولة الوحدة، وإشراك المجتمع، وإنهاء سيطرة القبيلة ومشايخها، وتعزيز الحياة المدنية وغيرها).

 

ولكن استبدل كل ذلك ببروز منهج آخر يستهدف الاستيلاء على الجنوب وثرواته وإقصاء الجنوبيين الشركاء في هذه الوحدة بأشكال مختلفة بالتصفيات الجسدية وفي الملاحقات والأبعاد والاعتقالات والإصرار على السيطرة على السلطة والثروة الجنوبية لصالح حكام ومشايخ الجمهورية العربية اليمنية وبالذات الرئيس علي عبد الله صالح وأسرته وحاشيته وقبيلته، ورموز سلطته ونفوذها وقد فرضها أيضًا من خلال دعمه لتشكيل حزب الإصلاح والذي انضوى فيه كل من كانوا على عداء للوحدة اليمنية والجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية بآفاق عدالتها الاجتماعية و لهذا كانوا معارضين لاتفاقيه الوحدة المبرمة في عام 1990 .

 

وفي ضوء اتفاقيه الوحدة تم التعامل مع الأليات الدولية والدبلوماسية لغرض تثبيت دولة الوحدة وخاصه الأمم المتحدة وهيئاتها المختلفة وجامعة الدول العربية إضافة إلى الحلقات الدبلوماسية والمنظمات والهيئات الدولية في مختلف دول العالم.

 

ومع بروز المخطط التأمري على الوحدة وأهدافها وعلى اتفاقية الوحدة كان لابد للجنوبيين أن يعبروا عن مطالبتهم بمراجعه لهذه الوحدة… وهذا ما تم وبرز على الأرض والواقع الجنوبي.. لكن المؤامرة على الوحدة واتفاقية الوحدة كانت قد أعدت لها لمواجهه كل هذه الاحتمالات.

 

وكانت حرب 1994 التي استهدفت الجنوب وضمها بالقوة لنظام الجمهورية العربية اليمنية تحت نظام و غطاء الإبقاء على علم واسم الوحدة (الجمهورية اليمنية)! ولست هنا بصدد الخوض في تفاصيل ما حصل في حرب 1994 وجرائمها التي ما زالت آثارها تفعل فعلها حتى اليوم، ورموزها وتحالفاتها وتفاصيل المخطط الذي جرى تنفيذه في ضوء هذه الحرب الملعونة وبالتنسيق مع أطراف خارجية.

 

لكن المهم أن هذه الحرب كانت قد استهدفت ما تبقى من بنود اتفاقية الوحدة واستمرت تفرض نفسها رغم المعارضة الشديدة للجنوبيين وحلفائهم من أبناء الشمال الذين كانوا قد تفاعلوا مع الوحدة واتفاقية الوحدة من منظور وطني ورؤية لمستقبل واعد لكل اليمنيين في مختلف مساحات الأرض اليمنية. ومع الحراك الشعبي العام في كل اليمن والذي وصل إلى حد البحث عن البدائل تضمن وضع معالجات لتردي الأوضاع الذي وصلت إليه (الجمهورية اليمنية) بقياده الرئيس علي عبد الله صالح ومن معه، كان لابد من تدخل الوسيط الدولي – بحكم طبيعة تأثير موقع اليمن في المنطقة وتأثيراته الدولية- ممثلًا بمجلس الأمن والى فكرة الحوار الوطني اليمني الشامل لمواجهة تدهور النظام والأوضاع في اليمن ومخاطره، وتم الاتفاق بين المكونات الرئيسية السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية على السير باتجاه عقد مؤتمر للحوار الوطني الشامل يشارك فيه ممثلون عن هذه المكونات وهي الأحزاب والمكونات السياسية ومنظمات المجتمع المدني والنقابات العمالية والمهنية والمرأة وتمثيل الجنوبيين وأيضا تمثيل الحوثيين وتمثيل لمناطق النزاع والصراع الذي شهدته اليمن في مراحله المختلفة.. (تهامة وتعز ومأرب وغيرها).

 

وعقد مؤتمر الحوار الوطني الشامل والذي حرص الرئيس عبد ربه منصور هادي، أن يكون مشرفا ورئيسا لهذا المؤتمر وهذا الحوار والذي استعان بإشراف وإسهام مجلس الأمن الدولي والذي عبر عن اهتمامه بهذا المؤتمر من خلال تكليف مندوبا وممثلا خاص للأمين العام للأمم المتحدة (الأستاذ والمناضل المغربي أحمد بن عمر) وكان بمثابه المشرف العام لتنظيم وتسيير أعمال هذا المؤتمر، وتمت الاستعانة فيه، بالخبرات الدولية في مختلف المجالات ليكونوا المسؤولين والمعنيين في الإشراف على مختلف اللجان والفرق المتخصصة التي شهدها أو تكون منها المؤتمر وعمل في ضوئها المؤتمر.

 

وكان الخبراء الدوليون هم المرجعية الرئيسية لمراجعه كل الوثائق الرئيسية ومخرجاتها التي شكلت فيما بعد وثيقه مخرجات الحوار الوطني الشامل.

 

لست هنا بصدد الخوض في التفاصيل المتعلقة بمسار الصعوبات التي برزت وتم معالجتها وحسمها في إطار مؤتمر الحوار الوطني.. لكننا أريد الوصول هنا إلى أن مخرجات الحوار الوطني الشامل ركزت على قضايا هامة كثيرة وكان أبرزها يتمثل في (القضية الجنوبية، وقضيه صعدة). وقد برزت قضية صعدة لأنها جاءت في إطار قراءة للحروب السبعة التي قام بها نظام الرئيس صالح واستهدف فيه الحوثي وهاتين القضيتان (القضية الجنوبية وقضية صعدة) هما الآن مصدر استمرار المشكلة المؤرقة لليمن والتي تحتاج إلى معالجات حقيقية تستوعب تطورات شهدتها اليمن منذ يوم انتهاء واختتام مؤتمر الحوار الوطني مرورا بانقلاب الحوثيين وشركائهم المحليين والإقليميين، وما وصلنا إليه اليوم، في ضوء بروز القضية الجنوبية بقوة على سطح الأحداث في اليمن والمنطقة.

 

الخلاصة هنا أن مؤتمر الحوار الوطني الشامل كان قد وصل إلى الاعتراف والتأكيد بفشل الوحدة وأبرز أسبابها السيطرة المركزية والفردية والدكتاتورية في الحكم، وانتهاكات حقوق الإنسان في مختلف المجالات، وتغييب مشاركة القوى السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وممثلي الشعب في السلطة والحكم وصناعه القرارات المتعلقة بالمستقبل وبواقع اليمن ومستقبله.

 

وفي ضوء ذلك جاءت مخرجات الحوار الوطني لتؤكد أن الحل هو قيام دولة مدنية اتحادية ديمقراطية لتنهي سيطرة المركزية والدكتاتورية في الحكم وتجسد مشاركة الجميع في صناعة قرارات السلطة والحكم والتنمية والمستقبل من خلال نظام الأقاليم وهو نظام يجسد شراكة مختلف القوى والمجتمع في الحكم وفي سلطات الحكم ونفوذها بآليات الشراكة والديمقراطية. إذا نحن أمام خيارين لحل القضية الجنوبية.

 

أما العمل من خلال دولة اتحادية ديمقراطية مدنية تستوعب الجميع بشكل عادل ومنصف تحدد من خلال الأقاليم بحيث يتولى أبناء كل إقليم السيطرة على الحكم والنفوذ الفعلي وفي حماية ثرواتهم في إطار إقليمهم في القضايا المختلفة المتعلقة بالحياة والتنمية والتطوير مع التمثيل الكامل في إطار الدولة الاتحادية، بحيث يتم ذلك من خلال مرحله انتقاليه يتم الاتفاق حول مدتها من خلال حوار وطني شامل يمثل الجزء الثاني من الحوار الوطني الشامل الذي سبق انعقاده ، وفي ضوء ذلك نصل إلى نتيجة الحل.. أما أن تستمر هذه الدولة الاتحادية الفيدرالية من خلال الأقاليم أو أن يتم فك الارتباط السياسي بين الشمال والجنوب أي بين جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية والجمهورية العربية اليمنية، وبهذا نكون قد وصلنا إلى معالجة قضية الجنوب بل وقضيه كل اليمن.

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار