عند الحديث عن قضية مشاركة المرأة في مواقع صنع القرار، نجد الكثير من الجدل والمعارضة من المجتمع الذي يرى أن دور المرأة يقتصر على الرعاية لا القيادة؛ بمعنى حصرها في إطار العمل المنزلي فقط. وهذا يمثل ثقافة المجتمع الذكوري والقبلي في بلادنا، حيث تحول الثقافة الاجتماعية السائدة، أو ما يعرف بـ “الموروث الثقافي”، دون وصول المرأة إلى مواقع صنع القرار؛ لكون هذا الموروث غير محابٍ للمرأة وقضاياها واحتياجاتها وطموحاتها.
ويُقصد بالموروث الثقافي تلك العناصر المادية والفكرية والاجتماعية السائدة، وما ينتقل إلينا من عادات وتقاليد وأعراف وعلوم من الأزمنة السابقة. ويؤثر هذا الموروث على سلوك الفرد ومكانته، ويختلف تأثيره من مكان إلى آخر ومن زمن لآخر. ويعتبر الموروث الثقافي من أهم المعوقات التي تعمل على تهميش وإقصاء المرأة العربية عموماً، وبذلك فهو يخالف مبدأ المواطنة المتساوية وحقوق الإنسان القائمة على عدم التمييز.
وفي كثير من الأحيان، يربط البعض بين الموروث الثقافي والشريعة الإسلامية، زاعمين أن هذه الموروثات مستمدة من الدين، وهذا غير صحيح؛ إذ يحاول المجتمع إضفاء طابع ديني على الأعراف ليبرر تهميش المرأة. ومن الأمثلة على مخالفة الأعراف للدين: أن الشرع حدد إرث المرأة بنصف ما يرثه الرجل (في حالات محددة)، لكن العُرف في بعض المناطق يحرم المرأة تماماً من حقها في الأراضي الزراعية؛ بحجة أن الثروة لا يجب أن تذهب “للغريب” (ويقصدون بذلك زوجها وأولادها). وهذا المثال يؤكد بوضوح التباين بين الشريعة الإسلامية من جهة، والأعراف المجتمعية من جهة أخرى.
كما أن هذه الموروثات قادمة من أزمنة سابقة رحل أصحابها منذ قرون، ولا تخلو من الأمثال الشعبية التي تكرس صورة الضعف والدونية للمرأة وتشجع على العنف ضدها. وقد أضفى بعض أفراد المجتمع قدسية على تلك الأمثال، مما ساهم في زيادة الفجوة بين الجنسين والتمييز القائم على النوع الاجتماعي.
وبالرغم من كثرة الندوات والمؤتمرات والدراسات لمناصرة قضايا المرأة، إلا أن الواقع لا يزال مختلفاً؛ ودورها ما يزال مغيباً. إزاء ذلك، يجب تغيير النظرة المجتمعية للمرأة من خلال تفعيل دور الإعلام، والأحزاب، ومؤسسات الدولة في وضع خطط لرفع شأنها وتحسين مكانتها وتغيير صورتها النمطية، مع ضرورة تطبيق الاتفاقيات الدولية، كمخرجات مؤتمر بكين 1995م، الذي نص على ضرورة مشاركة المرأة في صنع القرار عبر آليات فعالة مثل نظام “الكوتا” النسائية.



