العنف ضد النساء في الفضاءات الرقمية

صورة تعبيرية

بقلم / سحر الهادي – 29/أبريل /2026

أثناء التصفح في مواقع التواصل الاجتماعي، يلفت انتباهي وجود كمٍّ هائل من التعليقات والمنشورات التي تهين المرأة وتسيء لكرامتها؛ فبمجرد إعطاء رأيها في موضوع معين، قد تصبح محط تهكم وسخرية، وتُقذف بأفظع العبارات دون مراعاة لقيم المجتمع العربي المحافظ الذي يدعو إلى حماية المرأة والدفاع عنها.

للأسف، ما يُمارس ضد المرأة من عنف في الإعلام الجديد (السوشيال ميديا) هو انحطاط للأخلاق وجرائم لا تغتفر. فلماذا هذا العنف؟ وهل العنف في الفضاءات الرقمية يعكس الواقع؟ وهل مواقع التواصل الاجتماعي هي حاضنة للعنف ضد المرأة؟

بالرغم من الفوائد الإيجابية للإنترنت وما حققه من منافع للمجتمعات، إلا أن هناك سلبيات، منها العنف الرقمي ضد المرأة الذي يشكل تهديداً للمجتمعات. فالعنف الرقمي يزداد يوماً بعد يوم، حيث يطور المجرم الرقمي أدواته بالتوازي مع التطور التكنولوجي.

ومن الأسباب التي تؤدي إلى العنف الرقمي ضد المرأة:

١- التمييز على أساس الجنس واللون والعرق: على سبيل المثال، قد يتم تعنيف المرأة في شبكات التواصل باعتبارها الحلقة الأضعف في المجتمع، أو التنمر على شكلها أو لون بشرتها، أو ممارسة التمييز ضد الأقليات.

٢-المفهوم الخاطئ لحرية التعبير: ممارسة منطق إلغاء الآخر أو عدم تقبل الأفكار المغايرة في فضاءات التواصل الاجتماعي.

٣-القبضة الحديدية للأنظمة الحاكمة: التي تقصي وتنتهك الحقوق سعياً للتفرد بالسلطة.

٤-غياب الحماية القانونية: وعدم وجود قوانين رادعة تختص بمحاسبة مرتكبي العنف الرقمي.

٥-السكوت على العنف الرقمي: حيث تظل أغلب جرائم الابتزاز الرقمي والتحرش الجنسي طي الكتمان؛ فطبيعة المجتمع العربي المحافظ وخوف الفتيات من إلقاء اللوم عليهن يدفعهن للسكوت أو الرضوخ لمطالب المبتز.

٦-الرغبة في الانتقام وعدم القدرة على المواجهة: تلجأ هذه الفئة إلى تصفية حساباتها عن طريق التشهير، أو اختراق الحسابات، أو انتحال الشخصية، ونشر صور أو فيديوهات للنساء بهدف إلحاق الضرر بهن.

٧- الخروج عن المألوف: أحياناً يُنظر لتجاوز المرأة لبعض الأعراف والتقاليد كمبرر لعدم القبول المجتمعي وممارسة العنف ضدها.

هل العنف في المواقع هو انعكاس للعنف في الواقع؟

إن العنف الرقمي ضد المرأة هو انعكاس للعنف في الواقع، ويدل على ثقافة المجتمع ومدى قدرة أفراده على التعايش المشترك واحترام المرأة وإعطائها مساحة آمنة للتعبير بحرية. لكن ما يحدث رقمياً لا يعكس الواقع تماماً؛ ففي كليهما يوجد الجيد والسيء، إلا أن ازدياد العنف دليل على وجود خلل في القيم المجتمعية، وغياب مبدأ العقاب القانوني، ونقص في الوعي والأخلاق.

إن عدم إدراك خطورة العنف الرقمي وعدم أخذه على محمل الجد، يؤدي حتماً إلى تفاقم هذه الظاهرة بشكل كبير.

اتخذت المرأة من مواقع التواصل الاجتماعي منبراً تعبر فيه عن ذاتها كعضو فعال في المجتمع، وأن يكون لها موقف تجاه كل ما يحدث حولها. لكنها في المقابل واجهت صنوفاً من العنف الرقمي تمثلت في الإساءة، والتهديدات، والعبارات النمطية التي تحجّم من دورها، ناهيك عن نوع مبطن من العنف تحت مسمى “الدعابة” أو “السخرية”؛ الذي يصف المرأة بـ (الكائن الهرموني) الذي يسير ويفكر وفقاً لتغيراته الفسيولوجية أو النفسية.

وفي ذات الوقت، نجد خذلاناً من قبل إدارة منصات التواصل الاجتماعي في الدفاع عن المرأة؛ فبحسب ملخص دراسة لأقطار عربية متعددة (1) -منها اليمن- فإن “فيسبوك” يتصدر مواقع التواصل الأكثر تعنيفاً ضد النساء والفتيات بنسبة 43%، يليه “إنستغرام” بنسبة 16%، و”واتساب” بنسبة 11%. كما صدر تقرير عن منظمة العفو الدولية لعام (2018م) بعنوان “تويتر السام”، تحدث عن فشل المنصة في حماية النساء وحفظ حقوقهن الإنسانية، وخذلانها لمن يتعرضن للعنف.

بالرغم من وجود قوانين دولية لحماية المرأة من العنف، إلا أنها لم تتطرق بشكل صريح لمسألة “العنف الرقمي”، مما يشير إلى قصور في التشريعات الدولية. وقد سنت حوالي 138 دولة حول العالم قوانين لمحاربة الجرائم الإلكترونية، منها 13 دولة عربية، بينما تطبق باقي الدول العربية قواعد عامة في التعامل مع هذه الجرائم. وفي اليمن، يتم معاقبة المجرم الرقمي وفقاً لبعض مواد قانون الجرائم والعقوبات اليمني رقم (12) لسنة 1994م، وهي مواد لا تتماشى مع التطور المتسارع للعصر، علاوة على خلو القانون اليمني من مصطلحات مثل “التنمر الإلكتروني” أو “الابتزاز الإلكتروني”، حيث يتم التعامل مع هذه الجرائم من خلال تفسير المقاصد والمعاني.

ولمعالجة العنف الرقمي ضد النساء، يجب بذل جهود على عدة مستويات:

أولاً/ الوعي المجتمعي:

لا بد من رفع وعي المجتمع بمخاطر العنف الرقمي، ونبذ خطابات الكراهية والسلوك غير الحضاري، وتعزيز مفهوم التعايش وقيم المواطنة المتساوية، وتجنب الصدام بين الجنسين. يتم ذلك عبر حملات توعوية مكثفة، وعرض أفلام وثائقية، والتوعية في المدارس والجامعات والأندية، وإعداد إحصائيات دورية لرصد مدى انتشار العنف في المجتمع.

ثانياً/ وقاية المرأة لنفسها:

من أهم طرق المعالجة هي “الوقاية”، وذلك من خلال تعلم المهارات الرقمية الأساسية وتأمين الحسابات لتجنب الوقوع في فخ الاصطياد الإلكتروني.

ثالثاً/ عدم السكوت أو الرضوخ للمجرم الرقمي:

لا بد أن تكون المرأة أكثر قوة؛ فالرضوخ للمجرم لا ينهي القصة بل يزيد من استغلالها. عليها الاستعانة بالجهات الأمنية، وبمختصين رقميين موثوقين، وبالمؤسسات التي تقدم المساندة لضحايا العنف الرقمي.

رابعاً/ الردع القانوني:

سن قوانين حديثة لمعاقبة مرتكبي العنف الرقمي، بحيث تتناسب مع التطور التكنولوجي، ويكون هدفها تجريم العنف وحماية الضحايا، لا إسكات الأصوات أو قمع الحريات.

خامساً/ الدعم النفسي:

تقديم الدعم النفسي المتخصص للضحايا؛ فكثير من الحالات تعاني من فقدان الثقة بالآخرين، وصولاً إلى رغبة البعض في إيذاء الذات أو الانتحار.

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار