مدربة الخط المسند: حلمي أن يصبح “المسند” جزءاً من مناهجنا الدراسية

يستضيف موقع “المرأة والبيئة” مدربة الخط المسند سعاد الحداد ، نغوص معها في هذا الحوار حول    أهمية وحرص الكثيرين لتعلم هذا الخط العريق

أجرى الحوار : نهال عبدالله  8 ابريل 2026

 

– ما الذي جذبكِ لتعلّم خط المسند تحديداً من بين الخطوط العربية الأخرى؟

لا أدري من الذي جذب الآخر، لكن ما أعلمه يقيناً أن عشقي العميق للتراث والموروث الثقافي، واهتمامي بالغوص في تفاصيله، هو ما قادني إلى هذا الطريق. فوجدت في خط المسند نافذة أطلّ منها على تاريخنا العريق.

ومع الوقت، لم يعد الأمر مجرد تعلّم خط، بل تحوّل إلى شغف ورسالة، دفعتني للاستمرار والتطور، حتى انتقلت من مرحلة التعلّم إلى مرحلة التدريب ونقل هذا العلم للآخرين.

 

– كيف كانت رحلتكِ في إتقان هذا الخط، وما هي أصعب التحديات التي واجهتكِ في البداية؟

كانت رحلتي مع خط المسند رحلة ثرية وممتعة، مليئة بالاكتشاف والتعلّم المستمر. بدأت بالدورة التأهيلية التي تعرّفت فيها على أساسيات الخط وكيفية قراءة النقوش وتفسيرها، ثم انتقلت إلى الدورة التطويرية التي تعمّقت خلالها في دراسة خط الزبور وتفكيك النقوش القديمة.

وبفضل الله، لم أواجه صعوبات كبيرة تُذكر؛ لأن الشغف كان دافعي الأول، إضافة إلى الدعم والتوجيه الذي تلقيته من الأستاذ خليل النحوي، عميد أكاديمية المسند والمشرف العام، الذي كان له دور كبير في تبسيط هذا العلم وإيصال تفاصيله الدقيقة بأسلوب سهل وواضح. كانت كل مرحلة بالنسبة لي خطوة نحو فهم أعمق، وليس مجرد تجاوز للتحديات.

 

– من أين جاءت تسمية المسند وما الذي يميزه عن غيره من الخطوط؟

سُمي خط المسند بهذا الاسم لأنه “يُسند” إلى الحجارة (أي يُنقش عليها كدعامة)، وكذلك لأنه استُخدم في توثيق “المستندات”. يبلغ عدد حروف خط المسند 29 حرفاً؛ والحرف الزائد فيه هو “السامخ” الذي يقع نطقاً بين السين والصاد، وقد وردت مواضعه في القرآن الكريم في الكلمات الآتية:

{بِمُصَيْطِرٍ} – سورة الغاشية: 22.

{وَيَبْسُطُ} – سورة البقرة: 245.

{بَسْطَةً} – سورة الأعراف: 69.

{الْمُصَيْطِرُونَ} – سورة الطور: 37.

كما ورد ذكره على لسان نبي الله هود -عليه السلام- في بعض الروايات، مما يشير إلى أن المسند هو أصل الكتابة العربية؛ فهو الأصل الذي تطورت منه الحروف العربية الحالية (حروف الهجاء)، والتي تُسمى بـ “حروف الجزم” لأنها جُزمت (أي قُطعت واشتقت) من المسند.

ما يميز المسند أن حروفه قائمة غير مائلة، وتخضع في رسمها لـ “النسبة الذهبية” (نسبة الجمال العالمي)، كما أن حروفه صامتة (لا تمد). وقد دوّن به الإنسان العربي القديم على الحجارة، البرونز، الذهب، وصخور الجبال. أما أهم الخطوط المشتقة منه فهي: الظفاري، الشحري، الجعزي (الإثيوبي)، الأمحري، الصفائي، الداداني، اللحياني، الثمودي، والزبور. وقد ساعدت التجارة قديماً على انتشار هذا الخط بشكل واسع.

 

– متى بدأ ظهور خط المسند؟ وما هي أول كتابة عرفها الإنسان؟

يُعد خط المسند أول خط عربي وأقدم الخطوط؛ إذ يعود تاريخه إلى ما قبل التاريخ، وتحديداً ما قبل الميلاد بـ 5000 سنة، فيما يذكر الباحث سلطان المقطري أن جذوره ككتابة تمتد إلى 10,000 سنة. وهذا يؤكد أن الإنسان العربي كان متعلماً في العالم القديم، وهو ما استدللنا عليه من الكتابات الثمودية أو “الشعبوية” والكتابات العادية التي نُقشت على الجدران والجبال والأحجار.

أما أول كتابة عرفها الإنسان فهي “الكتابة التصويرية” عبر الرسم على الطين وغيره، وهي لغة بيانية تفصيلية واضحة. وقد ظهرت في شبه الجزيرة العربية، وتحديداً في اليمن، وهو ما نقله “شكيب أرسلان” عن مؤرخين أجانب. ثم تطورت في مصر وعُرفت بـ “الهيروغليفية” (أي النقش المقدس)، وكذلك “الكتابة المسمارية” التي ظهرت في العراق باستخدام آلات تشبه المسامير.

 

– كمدرّبة، ما هي المهارات الأساسية التي يجب أن يمتلكها المتدرّب لتعلم خط المسند؟

في الحقيقة، لا يحتاج المتدرّب إلى مهارات معينة في البداية، بل يكفي أن يمتلك الشغف الحقيقي، والرغبة في التعلّم، والصبر على الممارسة. فخط المسند، رغم عراقته، يمكن تعلّمه بطريقة سلسة إذا توفرت الإرادة.

ومع التدريب المستمر، يبدأ المتدرّب في إتقان رسم الحروف، وفهم أشكالها، والتمييز بينها، حتى يصل تدريجياً إلى مرحلة الإبداع في الكتابة. الأهم هو الاستمرارية وعدم الاستعجال في قطف النتائج.

 

– ما هي المنهجية التي تتبعينها لتبسيط قواعد الكتابة بالمسند للمبتدئين؟

أعتمد في تدريبي على أسلوب التبسيط والربط البصري، حيث أقوم بربط الحروف بأشكال مألوفة في حياتنا اليومية أو في الطبيعة؛ فكل حرف في المسند يحمل دلالة وشكلاً يمكن تخيله، وهذا يساعد المتدرب على استيعابه بسرعة وتثبيته في الذاكرة. كما أحرص على التدرج في التعليم، بدءاً من الحروف المفردة، ثم الكلمات، وصولاً إلى قراءة وتفكيك النقوش، مما يمنح المتدرب ثقة أكبر ويجعله يشعر بتقدمه خطوة بخطوة.

 

– كيف يمكننا دمج خط المسند في حياتنا اليومية لضمان استمراريته؟

يمكن دمج خط المسند في حياتنا اليومية بطرق إبداعية متعددة، بحيث لا يبقى حبيس الكتب أو النقوش القديمة. من أبرز هذه الطرق توظيفه في تصميم الشعارات، خاصة “الطغراء المسندية”، وكذلك إدخاله في الديكورات الداخلية من خلال النحت البارز أو الغائر على الخشب والجدران. كما يمكن استخدامه في واجهات المباني، والمراكز الثقافية والحكومية، ليكون حاضراً في الفضاء العام، إضافة إلى توظيفه في تصميم الأزياء والإكسسوارات، مما يجعله جزءاً من الحياة العصرية بطريقة جمالية وعملية في آنٍ واحد. بهذه الأساليب، نعيد إحياء المسند ليس كتراث فقط، بل كعنصر حي ومتجدد.

 

– هل ترين أن المسند يمكن أن يتحول من نقوش أثرية إلى فن تشكيلي يعبر عن المجتمع؟

بكل تأكيد، أرى أن خط المسند يمتلك مقومات قوية تؤهله ليكون فناً تشكيلياً معاصراً ومنافساً؛ فحروفه تحمل طابعاً هندسياً مميزاً وجمالاً بصرياً فريداً يجذب الانتباه من الوهلة الأولى. وقد لمست ذلك من خلال تجربتي الشخصية، حيث قمت بإدراجه في العديد من اللوحات الجدارية والتصويرية، ولاحظت مدى تفاعل الناس معه وإعجابهم بجماله واختلافه. إن إعادة تقديم المسند بأساليب فنية حديثة سيسهم في انتشاره عالمياً، ويمنحه المكانة التي يستحقها بين الفنون والخطوط الأخرى.

 

– ما هو الحلم الذي تسعين لتحقيقه من خلال ورش العمل والدورات التي تقدمينها عن خط المسند؟

ليس مجرد حلم، بل هو هدف أعمل من أجله بكل شغف وإيمان: خلق جيلٍ واعٍ ومثقف يدمج بين التراث والتطور. أؤمن أن الهوية الحقيقية تُبنى حين يعرف الإنسان جذوره وينطلق منها نحو المستقبل؛ فحين يلتقي التراث بالتطور، يولد جيل يعتز بماضيه ويبدع في حاضره، قادر على صناعة الفارق.

إن حلمي أن يصبح تعليم خط المسند جزءاً أساسياً من مناهجنا الدراسية، سواء كمادة مستقلة أو كفرع من فروع اللغة والتاريخ، ليصل إلى كل طالب ويكون حاضراً في وعيه وثقافته. أسعى لأن لا يبقى المسند مجرد ذكرى تاريخية، بل أن يعيش بيننا وتتوارثه الأجيال جيلاً بعد جيل.

 

– كلمة توجهينها لكل من يعتقد أن خط المسند لغة بائدة ولا فائدة من تعلمها اليوم؟

خط المسند ليس مجرد أبجدية قديمة، بل هو أحد أعرق أنظمة الكتابة في التاريخ، ومنه انبثقت أشكال الكتابة التي نعرفها اليوم. لقد مرّ الحرف بمراحل تطور طويلة حتى وصل إلى صورته الحالية، مما يجعل دراسة المسند رحلة لفهم جذور الكتابة واللغة نفسها.

تعلّمه لا يقتصر على الجانب المعرفي، بل يعزز ارتباطنا بهويتنا ويمنحنا وعياً أعمق بقيمة هذا الإرث الحي الذي يمكن أن يكون مصدر إلهام يربط بين الأصالة والحداثة. إن ابتعاد الأجيال عن تاريخهم أحدث شرخاً في بنية الوعي المجتمعي وأضعف الشعور بالانتماء؛ لذا أصبحت دراسة المسند ضرورة لصون الهوية. فكم من نقوش وآثار بقيت مهملة أو مجهولة المعنى لغياب المعرفة بقراءتها، ودراستنا لها تتيح لنا استنطاق الحجر وإدراك الدلالات المخفية فيه.

أستغرب أحياناً ممن يتساءل: “ما الفائدة من تعلمه؟”، والحقيقة أن تعلم المسند ليس مجرد رسم حروف، بل هو جسر يربطنا بأصالتنا العربية ويعيد إلينا الاعتزاز بجذورنا، وهو السبيل الأضمن لحماية إرثنا الحضاري من الاندثار أو النسيان.

 

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار