المهمشون ليسوا ضحايا لفترة زمنية أو مرحلة معينة، بل هم ضحايا واقعٍ معاشٍ منذ قرون في اليمن؛ بسبب تمييز اجتماعي أدى إلى غياب العدالة وتكافؤ الفرص بين أفراد المجتمع. فاليمن مجتمع يقوم على “الأنساب” لا “الإنسانية”، حيث يُعدُّ النسبُ معيار الشرف والمكانة والوصول إلى الموارد والسلطة، بغض النظر عن المعايير الأخرى.
تجد فئة المهمشين، التي تمثل أسفل الهرم الطبقي، مصيرها الاستبعاد والازدراء والعزلة الاجتماعية، وتُحرم من الاندماج في المجتمع بسبب لون بشرتهم السمراء وجذورهم الأفريقية. وبحسب مركز صنعاء للدراسات، يشكل المهمشون حوالي 3.5 مليون نسمة.
وعلى الرغم من أن القانون اليمني يقوم على مبدأ المواطنة المتساوية، إلا أن الموروث الثقافي جعل أغلب أطياف المجتمع تستثني هذه الفئة من الحق في العيش الكريم. كما تمنع العادات والتقاليد زواج المهمشين من باقي فئات المجتمع نظراً لكونهم “الأقل نسباً” وفق تلك المفاهيم، ويُطلق عليهم مجتمعياً مسمى “الأخدام
الفقر حال المهمشين:

يعيش المهمشون في عدد من المحافظات اليمنية، مثل: (تعز، عدن، إب، الحديدة، لحج، المحويت، حضرموت، صنعاء، صعدة، مأرب، البيضاء، الضالع، ذمار).
يسكن المهمشون في الأحياء الفقيرة العشوائية حيث لا تتوفر الخدمات الجيدة، فلا كهرباء ولا ماء أو صرف صحي، ونجد البيوت المتهالكة المصنوعة من القش والقماش أو الصفيح. ويُمنع المهمشون من شراء الأراضي أو العقارات في بعض المناطق اليمنية، خاصة الأرياف، دون وجود مسوغ قانوني لهذا المنع. كما ينتشر الفقر والبطالة في صفوفهم، حيث يعملون في تنظيف الشوارع وجمع القمامة والعلب الفارغة أو خياطة الأحذية، وكذلك التسول، بعيداً عن الأعمال الأخرى في المؤسسات أو الوصول إلى مراكز صنع القرار، مما يجعلهم يعيشون في فقر مدقع.
وفي هذا الصدد، تقول الحجة فاطمة (55 عاماً) لموقع “المرأة والبيئة”: “نحن نعيش في عشوائيات من الورق والقماش والصفيح، وهذه العشوائيات لا تقي برد الشتاء ولا حر الصيف، وتدخلها الحشرات والحيوانات كونها غير آمنة، ولا تتوفر فيها مياه نظيفة ولا كهرباء، وإن توفرت الكهرباء لا يتم إصلاحها في حال حدوث خلل وتنقطع لأيام. لا نجد لقمة العيش، ووضعنا صعب جداً مع الحرب؛ كثير من المنظمات تدعم النازحين بالرغم من أننا أكثر حاجة منهم، وأبناؤنا بلا عمل، ولا يجدون عملاً غير النظافة، وبعضهم يتسولون للحصول على لقمة العيش. لا نحصل على العلاج في حال مرضنا، ولا أحد يهتم بنا سواء كنا أحياءً أو أمواتاً، وضعنا صعب، وكل يوم نموت مئة مرة”.
ويضيف خميس عبده (30 عاماً): “بسبب عدم توفر فرص عمل، نضطر إلى جمع العلب وبعض المخلفات لنستطيع بيعها وشراء الطعام. إن الكثير من الشباب المهمشين بلا عمل، وإن عملوا فبأجرٍ متدنٍّ؛ لأنهم (أخدام) كما يُطلق عليهم، بعكس (القبيلي) الذي يُعطى حقوقه كاملة، وفي كثير من الأحيان يتم اتهامنا بالسرقات أو الجرائم”. ويرى خميس عبده أن النظرة الدونية ضدهم ستستمر معهم ومع أبنائهم ولن تنتهي، وأنه غالباً ما يتم مناداته بكلمة “خادم”.
الأمية بين المهمشين:
يشير تقرير “اليونيسف” إلى أن نسبة الأمية بين صفوف المهمشين بلغت 90% في اليمن، وأن نسبة استخراج شهادات الميلاد لأطفالهم لا تتجاوز 9%. وتؤثر القدرة المادية على دفع نفقات التعليم، من رسوم ومستلزمات دراسية، بالإضافة إلى رغبة الآباء في دفع أطفالهم للعمل بدلاً من الدراسة، حيث يجمع الأطفال العلب البلاستيكية أو يتسولون في الشوارع. هذا إلى جانب الكثير من المشكلات التي يتعرض لها أطفال المهمشين في حال التحاقهم بالمدارس، كالتنمر والازدراء، مما يسبب عزوف الكثيرين عن الدراسة.
ويقول محمد سعد (37 عاماً): “أنا رجل أمي، كنت أتمنى أن يتعلم ابني، ولكنني أخرجته من المدرسة بسبب المضايقات التي تعرض لها. كانت إدارة المدرسة تطلب حضوري باستمرار بسبب سلوك ابني، وفي البداية كنت أعتقد أن الإدارة على حق، لكن اتضح لي فيما بعد أن ما يُمارس ضده هو تنمر واحتقار لكونه من المهمشين”.
ويضيف محمد سعد: “في أحد الأيام، جاء أحد الآباء إلى المدرسة يطلب تغيير مكان جلوس ابنه حتى لا يجلس على طاولة واحدة مع ابني”. ورأى محمد أن المدرسة لم تعد بيئة صالحة لتعليم ابنه الصغير، بل هي بيئة تدمره وتخلق منه طفلاً معقداً نفسياً، لذا فضّل أن يترك ابنه المدرسة.
وفي ذات السياق، تقول فاطمة (28 عاماً): “أنا لم أذهب إلى المدرسة ولا بناتي؛ لعدم وجود شهادات ميلاد لبناتي الثلاث، ولأن الطريق إلى المدرسة بعيد، وهذا يعرضهن للتحرش أو الخطف، لذا أفضّل جلوسهن في البيت لمساعدتي في جلب الماء والتنظيف”.
إن قضية المهمشين من القضايا المليئة بالظلم التي ما تزال مستمرة، وقد ازدادت سوءاً مع استمرار الحرب في اليمن، وتردي الأوضاع المعيشية، والنزوح، وتضاعف حدة العنصرية.




